مجد الدين ابن الأثير

136

المختار من مناقب الأخيار

فلا شفيع يشفع ، ولا حميم ينفع ، ولا معذرة تدفع . فاعملوا عباد اللّه والألسن مطلقة ، والأبدان صحيحة ، والأعضاء لدنة ، والمنقلب فسيح ، والمجال عريض ، قبل إرهاق الفوت ، وحلول الموت . وقال : أيها الناس ، إنما الدنيا دار مجاز ، والآخرة دار قرار ، فخذوا من ممرّكم لمقركم ، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم ، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم ، فيها اختبرتم ولغيرها خلقتم . [ كتاب لعلى إلى ابن حنيف ] وقال من كتاب له إلى ابن حنيف : إليك عني يا دنيا ! فحبلك على غاربك ، قد انسللت من مخالبك ، وأفلتّ من حبائلك ، واجتنبت الذهاب في مداحضك . أين القرون الذين غررتيهم بمداعبك ؟ أين الأمم الذين فتنتيهم بزخارفك ؟ ها هم رهائن القبور ، ومضامين اللحود ، واللّه لو كنت شخصا مرئيّا لأقمت عليك حدود اللّه في عباد غررتيهم بالأماني ، وأمم ألقيتيهم في المهاوي ، وملوك أسلمتيهم إلى التلف ، إذ لا ورد ولا صدر « 1 » ، هيهات ! من وطئ دحضك زلق ، ومن ركب لججك غرق ، ومن ازورّ عن حبالك وفّق ، والسالم منك لا يبالي إن ضاق به مناخه ، والدنيا عنده « 2 » كيوم حان انسلاخه ، اغربي عني ، فو اللّه لا أذلّ لك فتستذلّيني ، ولا أسلس لك فتقوديني ، وأيم اللّه يمينا أستثني فيها بمشيئة اللّه - لأروضنّ نفسي رياضة تهشّ معها إلى القرص « 3 » إذا قدرت عليه مطعوما ، وتقنع بالملح مأدوما ، ولأدعنّ مقلتي كعين ماء نضب معينها ، مستفرغة دموعها ؛ أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك ، وتشبع الرّبيضة من عشبها فتربض ، ويأكل عليّ من زاده فيهجع ؟ قرّت إذا عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة ، والمرعيّة السائمة ، طوبى لنفس أدّت إلى ربّها فرضها ، وعركت بجنبها بؤسها ، وهجرت في الليل غمضها ، حتى إذا الكرى غلبها افترشت أرضها

--> ( 1 ) في ( أ ) : « إذ لا ورود ولا صدور » وكلاهما بمعنى . ( 2 ) في ( ل ) : « غده » . ( 3 ) القرص : رغيف الخبز .